سيناريوهات نهاية الحرب على إيران لا تصب في صالح الخليج
تُظهر الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل عميقة، حيث لا تبدو نهايات هذا الصراع - مهما اختلفت مساراتها - حاملةً لنتائج إيجابية واضحة لدول الخليج العربي. فبدل أن تفتح هذه الحرب الباب أمام استقرار إقليمي جديد، تشير المعطيات إلى أن جميع السيناريوهات المحتملة تقود، بدرجات متفاوتة، إلى تآكل الموقع الإستراتيجي لدول الخليج، وإعادة توزيع موازين القوة على نحو يحدّ من نفوذها الاقتصادي والسياسي.
وترى المحللة مرى مزايد، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنترست” الأميركية، أن في قلب هذا التحليل تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية لنهاية الحرب، تتباين في مآلاتها الظاهرية، لكنها تتقاطع في تأثيرها السلبي على الخليج.
ويتمثل السيناريو الأول في تحقيق إسرائيل ما يمكن اعتباره “نجاحا إستراتيجيا”، سواء عبر إضعاف إيران بشكل كبير أو المساهمة في إعادة تشكيل نظامها السياسي.
وفي الظاهر، قد يبدو هذا التطور متسقًا مع مصالح بعض دول الخليج التي تنظر إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد رئيسيًا، غير أن التداعيات الأعمق لهذا السيناريو قد تكون أكثر تعقيدًا.
على الصعيد السياسي، قد تسعى دول الخليج إلى توسيع شبكة تحالفاتها، بما يقلل من الاعتماد على طرف واحد، ويعزز قدرتها على المناورة في بيئة إقليمية متغيرة
وفي حال نشوء “إيران جديدة” أكثر انفتاحًا على العالم، فإنها لن تختفي من معادلة القوة، بل ستعود لاعبًا إقليميًا قويًا بقدرات اقتصادية متجددة.
ومع امتلاكها قاعدة سكانية كبيرة، وموارد طبيعية متنوعة، وموقعًا جغرافيًا إستراتيجيًا يربط آسيا بأوروبا، قد تتحول إيران إلى منافس مباشر لدول الخليج في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، ما يخلق ديناميكية تنافسية جديدة تُضعف تفوق دول الخليج.
كما أن إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي قد تعيد توجيه تدفقات رأس المال نحوها، خاصة إذا ما قُدمت كفرصة سوقية جديدة بعد سنوات من العزلة.
وقد يؤدي هذا التحول إلى تراجع نسبي في جاذبية الاقتصادات الخليجية، ويعيد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي في المنطقة، بما يفرض تحديات إضافية على نماذج التنمية المعتمدة في الخليج.
ويقوم السيناريو الثاني على صمود إيران واستمرارها في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، دون انهيار أو تغيير جذري.
وفي هذه الحالة، لا تتجه المنطقة نحو الاستقرار، بل تدخل في حالة طويلة من “التصعيد منخفض الحدة”، حيث تستمر المواجهات بشكل متقطع عبر ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة، إلى جانب تهديدات متكررة للممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية.
ويعني هذا النمط من الصراع أن دول الخليج لن تكون بعيدة عن دائرة التأثير، بل ستتحول إلى ما يشبه “خط تماس غير مباشر”، حيث تبقى منشآتها الحيوية، مثل حقول النفط ومحطات تحلية المياه والموانئ، عرضةً للاستهداف أو التهديد المستمر.
وعلى الرغم من أن هذه الدول قد لا تتعرض لانهيار شامل، فإنها ستواجه تآكلا تدريجيا في بيئة الاستقرار التي شكّلت أساس ازدهارها الاقتصادي.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين الأمني سيؤثر سلبا في مناخ الاستثمار، إذ يميل المستثمرون إلى تجنب المناطق التي تتسم بالمخاطر، حتى وإن كانت هذه المخاطر غير دائمة.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تراجع جاذبية الخليج كمركز مالي وتجاري عالمي، وتحوله إلى بيئة أكثر هشاشة، تشبه في بعض جوانبها مناطق أخرى تعاني من صراعات مزمنة، وإن بدرجات أقل حدة.
في حال نشوء "إيران جديدة" أكثر انفتاحًا على العالم، فإنها لن تختفي من معادلة القوة، بل ستعود لاعبًا إقليميًا قويًا بقدرات اقتصادية متجددة
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في انسحاب أميركي تدريجي من المنطقة، في إطار توجه إستراتيجي يركز على تقليص الانخراط المباشر ونقل الأعباء إلى حلفاء إقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل.
وفي هذا السياق، لا يعني الانسحاب الأميركي غياب التأثير، بل إعادة توزيعه، بحيث تتحول إسرائيل إلى الفاعل الأمني المركزي في الشرق الأوسط، مع استمرار الدعم الأميركي من الخلف.
ويحمل هذا التحول تداعيات إستراتيجية عميقة على دول الخليج، إذ قد يؤدي إلى تهميش دورها في صياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية. فبدل أن تكون شريكا أساسيا في صناعة القرار، قد تجد نفسها خارج دوائر التأثير الرئيسية، رغم كونها الأكثر تأثرا بنتائج الصراع.
كما أن الاعتماد على فاعل إقليمي واحد في توفير الأمن قد يحدّ من هامش المناورة السياسية، ويجعل السياسات الأمنية الخليجية أكثر ارتباطا بأجندات خارجية.
وإضافة إلى ذلك، فإن هذا السيناريو قد يعيد تشكيل طبيعة التحالفات في المنطقة، حيث تصبح العلاقات الأمنية أكثر تمحورًا حول إسرائيل، ما قد يخلق تحديات سياسية داخلية وخارجية لدول الخليج، خاصة في ظل حساسيات الرأي العام العربي تجاه هذه التحولات.
وإلى جانب هذه السيناريوهات الثلاثة، تكشف الحرب عن مجموعة من العوامل البنيوية التي تزيد من هشاشة موقع الخليج. أول هذه العوامل هو الطبيعة المركّزة للبنية التحتية في دول الخليج، حيث تعتمد الاقتصادات بشكل كبير على منشآت محددة ذات قيمة عالية، مثل مصافي النفط، ومحطات الطاقة، ومرافق تحلية المياه. هذا التركّز يجعل هذه المنشآت أهدافًا مغرية في أي تصعيد عسكري، ويزيد من حجم الأضرار المحتملة في حال استهدافها.
ويتمثل العامل الثاني في الطابع الحضري الكثيف للمدن الخليجية، التي تُعد مراكز مالية واقتصادية عالمية، وتحمل في الوقت ذاته رمزية عالية، ما يجعلها أهدافا إستراتيجية في الحروب الحديثة.
ومع تطور تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة، لم يعد بالإمكان الاعتماد على البعد الجغرافي كحاجز يحمي هذه المدن من التهديدات.
أما العامل الثالث، فيرتبط بطبيعة التحالفات الأمنية لدول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة وشركائها.
ومع أي تغيير في مستوى هذا الدعم أو طبيعته، كما هو الحال في سيناريو الانسحاب الأميركي، قد تجد هذه الدول نفسها أمام فراغ أمني نسبي، أو على الأقل أمام حاجة إلى إعادة تعريف ترتيباتها الدفاعية.
كما أن توسع الصراع إلى المجال البحري، خاصة في محيط مضيق هرمز، يضيف بُعدا إضافيا للمخاطر، نظرا لاعتماد اقتصادات الخليج بشكل أساسي على صادرات الطاقة التي تمر عبر هذا الممر الحيوي.
وأي اضطراب في الملاحة لا يهدد فقط العائدات الاقتصادية، بل يؤثر أيضا في الاستقرار المالي العالمي، ما يضع دول الخليج في قلب معادلة معقدة تتجاوز حدودها الجغرافية.
الحرب تُظهر أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل عميقة، حيث لا تبدو النهايات حاملة لنتائج إيجابية واضحة
ولا يمكن إغفال المخاطر البيئية المحتملة، خاصة في حال استهداف منشآت حساسة مثل المرافق النووية أو الصناعية الكبرى، حيث قد يؤدي ذلك إلى تداعيات كارثية تمتد آثارها إلى المياه والهواء في المنطقة بأسرها، بما في ذلك دول الخليج.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن القاسم المشترك بين جميع سيناريوهات نهاية الحرب هو تراجع نسبي في المكانة الإستراتيجية لدول الخليج، سواء من خلال بروز منافسين جدد، أو استمرار التهديدات الأمنية، أو إعادة توزيع الأدوار في النظام الإقليمي.
ولا يعني هذا التراجع بالضرورة انهيارا، لكنه يشير إلى انتقال من مرحلة الهيمنة النسبية إلى مرحلة أكثر تنافسية وهشاشة.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم الإستراتيجيات الخليجية على عدة مستويات. فعلى الصعيد الاقتصادي، قد يكون من الضروري تسريع جهود التنويع وتقليل الاعتماد على قطاعات محددة، مع البحث عن مجالات جديدة للنمو.
وعلى الصعيد السياسي، قد تسعى دول الخليج إلى توسيع شبكة تحالفاتها، بما يقلل من الاعتماد على طرف واحد، ويعزز قدرتها على المناورة في بيئة إقليمية متغيرة.
أما على الصعيد الأمني، فإن تعزيز القدرات الذاتية، إلى جانب تطوير آليات التعاون الإقليمي، قد يصبحان عنصرين أساسيين في مواجهة التحديات المقبلة. فالحرب الحالية، في جميع مساراتها المحتملة، لا تترك مجالًا للعودة إلى ما كان عليه الوضع السابق، بل تفرض واقعًا جديدًا يتطلب استجابات مبتكرة ومرنة.
وفي النهاية، لا تكمن خطورة هذه الحرب فقط في نتائجها المباشرة، بل في التحولات البنيوية التي تُحدثها في النظام الإقليمي.
وتجد دول الخليج، التي كانت لفترة طويلة في قلب هذا النظام، نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع عالم يتغير بسرعة، حيث لم يعد الموقع الجغرافي أو الثروة الاقتصادية كافيين لضمان الاستقرار أو النفوذ.