استراتيجية العزل.. لهذا تضرب إسرائيل جسور جنوب لبنان
تتجاوز الضربات الإسرائيلية للجسور الحيوية على نهر الليطاني البعد التكتيكي لتلامس أبعادًا استراتيجية تتعلق بإعادة تشكيل ميدان القتال وعزل مناطق النفوذ.
فمنذ اندلاع المواجهات الأخيرة في مارس/آذار، استهدفت إسرائيل ما لا يقل عن 5 جسور رئيسية من أصل ستة تعبر النهر، الذي يشكل خطًا جغرافيًا فاصلاً يقسم الجنوب اللبناني إلى قسمين.
هذه الضربات ليست جديدة في سياق الصراع، لكنها هذه المرة تأتي بكثافة وتوقيت يثيران تساؤلات حول أهدافها الحقيقية.
محاولة لقطع الأوصال
يرى محللون عسكريون لـ«فرانس برس» أن استهداف الجسور يندرج ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى «قطع أوصال» الجنوب، عبر فصل مناطقه عن بعضها البعض، وإعاقة حركة الإمدادات التي يعتمد عليها حزب الله في إدارة عملياته.
فالخبير العسكري رياض قهوجي يوضح أن أي مواجهة برية تتطلب بالضرورة تقويض قدرة الخصم على التحرك ونقل الدعم اللوجستي، وهو ما تسعى إليه إسرائيل من خلال تدمير هذه البنى الحيوية. وبحسب هذا التقدير، فإن ضرب الجسور يعزل المقاتلين جنوب الليطاني، ويجبرهم على استخدام طرق أطول وأكثر عرضة للرصد والاستهداف.
وفي السياق نفسه، وسّعت إسرائيل نطاق استهدافها ليشمل طرقًا بديلة تربط الجنوب بالبقاع، في محاولة لسد أي ثغرات يمكن أن يستغلها الحزب للحفاظ على خطوط إمداده.
أهداف تتجاوز الإمداد العسكري
لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من أبعاد أخرى، إذ يخشى مراقبون أن تكون الضربات جزءًا من خطة أوسع تهدف إلى إفراغ المناطق الواقعة جنوب الليطاني من سكانها، خاصة في ظل تكرار التحذيرات الإسرائيلية بالإخلاء.
هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان ما حدث خلال حرب 2006، عندما استهدفت إسرائيل عشرات الجسور في أنحاء لبنان، بعضها بعيد عن خطوط التماس، في إطار سياسة ضغط شاملة على البنية التحتية.
وقد وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون استهداف الجسور بأنه «انتهاك صارخ للسيادة» ومؤشر قد يمهد لتوسيع العمليات العسكرية، وربما التوغل البري.
فاعلية محدودة؟
ورغم هذا التصعيد، يختلف الخبراء حول مدى فاعلية هذه الضربات في تغيير مسار المعركة.
فالعميد المتقاعد هشام جابر يرى أن حزب الله يمتلك القدرة على مواصلة القتال لفترات طويلة دون الحاجة إلى خطوط إمداد تقليدية، مشيرًا إلى أن المقاتلين جنوب الليطاني لديهم ما يكفي من الموارد للاستمرار.
كما أن طبيعة النهر، الذي يتميز بعمق ضحل في بعض مناطقه، تسمح بعبوره سيرًا على الأقدام، ما يخفف من تأثير تدمير الجسور، خاصة فيما يتعلق بالحركة الفردية أو نقل الإمدادات الخفيفة.
إلا أن التحدي الأكبر يبقى في نقل الأسلحة الثقيلة، التي تتطلب وسائل نقل مكشوفة، ما يجعلها عرضة للاستهداف، وهو ما يعزز جزئيًا من جدوى الاستراتيجية الإسرائيلية.
معركة طرق.. لا تحسم الحرب
ووفق الخبراء فإن، الضربات على جسور الليطاني تعكس تحولًا في طبيعة المواجهة نحو استهداف البنية التحتية كجزء من معركة أوسع للسيطرة على الأرض وشل حركة الخصم.
لكن، وبينما قد تنجح هذه الاستراتيجية في إبطاء الإمدادات وتعقيد الحركة، فإنها لا تبدو كفيلة وحدها بحسم المعركة، في ظل قدرة حزب الله على التكيف مع الواقع الميداني، واستمرار المواجهات بوتيرة مرتفعة.
وهكذا، تبقى «معركة الجسور» فصلًا من صراع أكبر، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالرسائل السياسية، دون أن تلوح في الأفق نهاية قريبة للمواجهة.