إيران تتدبر أزمة السماء المكشوفة باستراتيجية الوخزات المؤلمة
بين سماء تحشد فيها الولايات المتحدة قطعا عسكرية، تمثل أحدث ما لديها من طائرات شبحية وحرب إلكترونية، وأرض إيرانية نسجت دفاعاتها على أساس الردع ورفع كلفة الهجوم، لا منع الوصول كليًا، تتشكل معركة الإيلام والضغط.
فحاملة الطائرات الأمريكية «إبراهام لينكولن» ليست مجرد منصة ضرب، بل أداة ضغط سياسي تترك لطهران خيار التراجع أو المجازفة، فيما تدرك إيران أن إسقاط طائرة أو مسيرة قد لا يغيّر ميزان القوى، لكنه يغير حسابات التصعيد.
مواجهة محتملة لا تقاس بعدد الصواريخ والطائرات فقط، بل بقدرة كل طرف على إدارة الكلفة، وقراءة الرسائل، واستخدام القوة كوسيلة ردع قبل أن تصبح أداة حرب.
فهل تستطيع إيران الدفاع عن نفسها في مواجهة ضربات جوية أمريكية؟
يقول موقع «ذا ناشيونال إنترست فإن إيران لا تستطيع إحكام سيطرتها الكاملة على مجالها الجوي حال توغلٍ عسكري أمريكي، إلا أنه مع ذلك، تبقى منظومات دفاعها الجوي—وإن كانت قديمة نسبيًا—قاتلة، وقادرة على إيلام أي مهاجم.
وأعاد نشر حاملة الطائرات «يو إس إس إبراهام لينكولن»، قرب إيران في عهد الرئيس دونالد ترامب تسليط الضوء على قدرات طهران الدفاعية الجوية.
ومع احتشاد القوة الجوية الأمريكية في الجوار، يبرز السؤال: إلى أي مدى تستطيع إيران ردع أي اختراق لأجوائها؟ وهل يمكن لمنظوماتها الدفاعية الأقدم أن تصمد أمام أكثر قوة جوية تطورًا في العالم؟
ما وظيفة الدفاعات الجوية الإيرانية؟
صُممت وضعية إيران الدفاعية الجوية أساسًا لردع الضربات الأمريكية والإسرائيلية عبر رفع كلفة الهجوم، لا عبر منع الوصول كليًا، لذا تركز العقيدة الإيرانية على الدفاعات الطبقية، والتشتيت، وقابلية البقاء أكثر من السعي إلى التفوق الجوي.
وتدرك طهران أن السيطرة على السماء في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل «هدف يتجاوز قدراتها، فتسعى بدلًا من ذلك إلى تعقيد تخطيط الضربات، وإيقاع خسائر، وإبطاء العمليات»، بحسب الموقع الأمريكي، الذي قال إنه في هذا الإطار، تتكامل الدفاعات الجوية مع الصواريخ والطائرات المسيّرة وأشكال الرد غير المتماثل.
ما الذي تمتلكه إيران؟
تمتلك إيران طيفًا طبقيًا من الدفاعات بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى. في المدى البعيد، تعتمد على منظومتي S-300 الروسية وباور-373 المحلية. توفّر الـS-300 تغطية على ارتفاعات عالية، لكنها محدودة العدد وغالبًا ما تنشر لحماية مواقع حيوية.
أما باور-373، فهو نظام محلي مستوحى من S-300، ويُعلن عن قدرات اشتباك بعيدة المدى، غير أن أدائه القتالي الفعلي لا يزال غير مُثبت.
وعلى المستويين المتوسط والقصير، تعتمد إيران على منظومات أقدم من الحقبة السوفياتية وأخرى صينية المنشأ، خضعت لتحديثات محلية حسّنت قابليتها للبقاء. وتُستخدم هذه المنظومات لحماية مواقع الرادار وبطاريات الصواريخ ومراكز القيادة، مع تركيزٍ على التكرار والمرونة أكثر من التعقيد التقني.
كما تشغل إيران مزيجًا من الرادارات الثابتة والمتحركة والمستشعرات السلبية، ضمن شبكة تهدف إلى الإنذار المبكر وتوجيه البطاريات الصاروخية، غير أن هذه الشبكة تبقى عرضة للحرب الإلكترونية، والقمع الناري، والهجمات السيبرانية.
ورغم تحسن التكامل المحلي بين المستشعرات ووسائط الاشتباك، فإن إيران تفتقر إلى الاندماج السلس الذي يميز شبكات الدفاع الجوي الغربية المتكاملة (IADS). وتمثل العقد المركزية نقاط فشل محتملة—وهي أهداف مبكرة تقليديًا في العقيدة الأمريكية.
هل يمكن للدفاعات الإيرانية إسقاط طائرات أمريكية؟
قد تنجح الدفاعات الإيرانية ضمن نطاقٍ محدود من الأهداف: تهديد الطائرات غير الشبحية، والمسيّرات، وصواريخ كروز؛ وإجبار المهاجم على اتباع مسارات معقدة، واستهلاك ذخائر بعيدة المدى، وخوض حملات قمع مطوّلة، لكنها لا تستطيع تحقيق تفوق جوي، ولا مواجهة الطائرات الشبحية بموثوقية، ولا الصمود أمام عمليات SEAD الأمريكية الممتدة، بحسب «ذا ناشيونال إنترست».
كيف ستتحرك الولايات المتحدة؟
من المرجح أن تركّز الضربات الأولى على الرادارات، ومراكز القيادة، وبطاريات SAM الرئيسية، باستخدام الطائرات الشبحية، والحرب الإلكترونية، وصواريخ كروز المُطلَقة جوًا وبحرًا، وسيكون جناح الطيران على متن «إبراهام لينكولن» جزءًا من حملة مشتركة أوسع.
الردع بالعقاب… لا المنع
في النهاية، تقوم الدفاعات الجوية الإيرانية على «الردع عبر الإيلام» لا عبر المنع المطلق، حتى إن نجاحا محدودا—كإسقاط مسيّرة—يحمل قيمة سياسية.
وتراهن طهران على مخاطر التصعيد لتقييد القرار الأمريكي. ورغم قوة هذه الدفاعات إقليميًا، فإنها لا تتكافأ مع القوة الجوية الأمريكية عالية المستوى، بحسب الموقع الأمريكي، الذي أشار إلى أنها ترفع كلفة الفعل الأمريكي لكنها لا تمنعه؛ مؤكدًا أن أقصى ما تستطيع فعله هو إبطاء الهجوم، وفرض تعقيداته، وترك تبعاته السياسية تتضخم.
كيف تُبقي «يو إس إس إبراهام لينكولن» إيران في حالة قلق دائم؟
تُعدّ حاملات الطائرات الأمريكية أدوات محورية لإسقاط القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، وقادرة—إذا اندلع نزاع—على توجيه ضربات هائلة. ويعيد قرار الرئيس دونالد ترامب نشر حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» قرب إيران التذكير بأن الحاملة ليست مجرد أداة حرب، بل أداة استراتيجية عليا. فهي ليست منصة قتال أو قطعة بحرية سطحية فحسب، بل رسالة سياسية. وفي هذه اللحظة، تُبَثّ تلك الرسالة إلى طهران بوضوح: إمّا اتخاذ خطوات سياسية لتفادي الأزمة، أو مواجهة القوة العسكرية الأمريكية.
المواصفات الفنية لـ«إبراهام لينكولن»
سنة دخول الخدمة: 1989
الطول: 1,092 قدمًا (332.8 مترًا)
العرض: 252 قدمًا (76.8 مترًا)
الإزاحة: 104,300 طن طويل (116,800 طن قصير)
المحركات: مفاعلان نوويان Westinghouse A4W، أربع توربينات بخارية، أربعة محاور
السرعة القصوى: أكثر من 30 عقدة
المدى: غير محدود؛ دورة وقود تمتد 20–25 عامًا
التسليح: منظومتان Sea Sparrow Mk 57 Mod 3، ومنظومتان RIM-116 Rolling Airframe Missile، ومنظومتان Phalanx CIWS؛ إضافة إلى نحو 90 طائرة ثابتة الجناح ومروحيات
الطاقم: نحو 5,000–6,000 فرد
كيف تُسهم حاملات الطائرات في الردع؟
اعتمدت الولايات المتحدة على حاملات الطائرات في الشرق الأوسط لعقود. ومزاياها واضحة: تُنشَر دون إذن من دولة مضيفة، وتوفّر قوة جوية فورية، وتمنح القدرة على ضبط التصعيد. وفي أي سيناريو مرتبط بإيران، تمنح الحاملات ضغطًا مرنًا حول أو فوق المياه والأجواء الإيرانية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو نشر قوات برية.
«إبراهام لينكولن» حاملة نووية دخلت الخدمة عام 1989
هي جزء من فئة نيميتز التي شكّلت عمود الطيران البحري الأمريكي لنصف قرن.
صُمّمت لعمليات عالمية طويلة الأمد، وكثافة طلعات عالية، وتكامل مع القوات المشتركة والحليفة.
يتيح الدفع النووي مدى شبه غير محدود وسرعات عالية مستدامة
يدعم سطح الطيران الواسع عمليات جوية متواصلة—ما يمنح الحاملة حضورًا دائمًا لا ينافسه سوى قاعدة جوية ثابتة.
يضم جناح الطيران عادة مقاتلات ضاربة، وطائرات حرب إلكترونية، وإنذار مبكر محمول جوًا، ومروحيات لمكافحة الغواصات والدعم اللوجستي.
هذا المزيج يتيح مهام تمتد من الضربات الدقيقة والدفاع الجوي إلى الاستطلاع والسيطرة البحرية. ولا تعمل الحاملة منفردة؛ إذ تتصدر مجموعة ضاربة لحاملة الطائرات (CSG) تحيط بها سفن مرافقة توفّر دفاعًا جويًا وصاروخيًا ومكافحة غواصات، ضمن منظومة دفاع طبقية توسّع المدى وتضمن الاستمرارية.
كيف يمكن استخدام «إبراهام لينكولن» ضد إيران؟
في حال الطوارئ مع إيران، يُرجّح توظيف الحاملة في الدفاع الجوي ضد قوى إقليمية، وضرب أهداف عالية القيمة، ومهام الاستطلاع والمراقبة والدوريات البحرية.
وتمنح الطائرات المحمولة على الحاملة إدارة ترامب خيار الاستجابة السريعة مع ضغط مستدام وتصعيد قابل للضبط، لكنها لن تعمل بمعزل، بل ضمن تكامل مع الطيران البري، والغواصات، وقدرات الضرب البعيد—مثل قاذفات B-2 سبيريت المنطلقة من قواعد في ميزوري أو دييغو غارسيا.
تكتيكيًا، توفّر «لينكولن» مرونة عالية: إعادة التموضع السريع، أو زيادة الوتيرة، أو خفضها فورًا.
ومع حماية المرافقة، تتمتع الحاملة بقابلية بقاء مرتفعة.
وبما أن وجودها بحد ذاته يشكّل إشارة قوة، فإنه يعكس الجدية دون فرض التزام أمريكي مباشر.
استراتيجيًا، يطمئن هذا الوجود الحلفاء الإقليميين ويكبح التصعيد الإيراني، محافظًا على هامش القرار لدى القيادة الأمريكية مع استمرار الضغط دون تجاوز خطوط حمراء.