إيران والتشويش على خدمة «ستارلينك».. نهاية الإنترنت المفتوح؟
طورت روسيا وسائل مضادة لأنظمة الإنترنت الفضائية، وقد تكون إحداها قيد العمل في إيران، خاصة فيما يتعلق بالتشويش على خدمة "ستارلينك".
وأثار نجاح إيران في تعطيل نظام "ستارلينك" التابع لقطب التكنولوجيا الأمريكي إيلون ماسك والذي يوفر خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، تساؤلات واسعة يتطلب الإجابة عنها، فهم دور الأقمار الصناعية والآلية التي يعمل بها "ستارلينك" والأنظمة المضادة التي تختبرها دول مثل روسيا والصين.
ووفقا لموقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يعتمدون بشكل كبير على الأقمار الصناعية لأداء وظائف عسكرية ومدنية حيوية، إضافة إلى عمليات الاستخبارات السرية، لذا سعى خصوم أمريكا على مدار سنوات لتحييد مزايا الأقمار الصناعية.
وفي محاولة لتحديث بنية أقمارها الصناعية، لجأت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، لتكتيك جديد. فبعدما كانت تحشد أكبر قدر ممكن من القدرات في قمر واحد مما يجعله ضخما ومكلفا للغاية لجأت إلى "التفكيك"، أو تقسيم الأقمار الكبيرة والمعقدة إلى أقمار صناعية أصغر وأكثر مرونة.
وفي 2016، فازت شركة "سبيس إكس" بأول عقود الإطلاق العسكرية الكبرى بعد دعوى قضائية رفعها الرئيس التنفيذي للشركة إيلون ماسك ضد القوات الجوية الأمريكية في عام 2014 بسبب سماحها بمنح عقود غير تنافسية لشركة "يونايتد لانش ألاينس" لإطلاق الأقمار الصناعية العسكرية، مدعيًا أن صواريخ فالكون-9 القابلة لإعادة الاستخدام التابعة لشركته أرخص وأكثر كفاءة.
وكان ماسك محقًا، حيث حقق ثورة بفضل الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام المقترنة بأجيال جديدة متزايدة التفكك من الأقمار الصناعية العسكرية، وحققت "سبيس إكس" طفرة بفضل نظام "ستارلينك" الذي يضم أقمارا صناعية أقل تعقيدًا وأرخص، وأصغر حجمًا، وأسهل استبدالًا إضافة إلى وجود نظام احتياطي.
وعند وضع أقمار ستارلينك ضمن منظومة أكبر، توفر اتصالاً ممتازاً بالإنترنت لأجزاء من العالم تفتقر تماماً إلى هذا الاتصال لكن منافسي أمريكا نظروا إلى هذا النظام بحذر.
ومع اندلاع حرب أوكرانيا في 2022، طلبت كييف المساعدة من ماسك الذي قدم دفعة من محطات ستارلينك مجانًا، مما وفر للقوات المسلحة الأوكرانية قدرات غير مسبوقة للبقاء على اتصال إلكتروني في الحرب ولولا ذلك لكان من المرجح أن تصاب قدرات أوكرانيا في مجال الاتصالات بالشلل بسبب التشويش الإلكتروني الروسي.
هذا النجاح جعل ستارلينك هدفًا رئيسيًا، لأي جهة تريد قطع اتصالات العدو لذا بدأت "سبيس إكس" العمل على نسخة أكثر تعقيدًا وسرية من النظام مخصصة للجيش الأمريكي، تُعرف باسم "ستارشيلد".
ومع ذلك، كانت كل من الصين وروسيا تطوران حلولًا سريعة، مما يعني أن كل تلك السنوات من التخطيط لكوكبات الأقمار الصناعية المتفرعة قد تبددت في غضون سنوات قليلة، بسبب حرب أوكرانيا.
وتركز الصين بشكل أساسي على أنظمة الليزر المضادة لستارلينك التي تعتمد على أشعة ليزر عالية الطاقة لحرق أو تعطيل أجهزة استشعار ستارلينك وغيرها من المعدات.
كما لوحت باحتمال نشر ما يطلق عليه "مطاردو الفضاء" وهي أساطيل من الأقمار الصناعية الصغيرة التي تتعقب الأقمار الصناعية الأمريكية وتلحق بها الضرر أو تعطلها.
أما روسيا، فأشارت تقارير في 2023 إلى أنها "كانت تعمل على تطوير سلاح جديد مضاد للأقمار الصناعية لاستهداف ستارلينك عبر إطلاق سحب مدمرة من الشظايا في مداراتها، بهدف إنشاء ما يسمى بسلاح (التأثير النطاقي) الذي يسعى إلى إغراق مدارات ستارلينك بمئات الآلاف من الكريات عالية الكثافة، مما قد يؤدي إلى تعطيل العديد من الأقمار الصناعية في وقت واحد، ويهدد بإلحاق أضرار جانبية كارثية بأنظمة مدارية أخرى".
ورغم قدرته على نشر أقمار بديلة لضمان استمرار العمل، إلا أن سلاح "التأثير النطاقي" الروسي قادر على تدمير عدد من أقمار ستارلينك يفوق بكثير قدرة الكوكبة على استيعابه، مع حرمان المدار من إمكانية استبدال الأقمار الصناعية، لأن تلك الكريات عالية الكثافة ستبقى هناك.
وتمتلك روسيا أيضاً نظام "توبول"، القادر على التشويش الإلكتروني على إشارات ستارلينك.
وتشير التقارير إلى أن موسكو تعمل على بناء نظام "كالينكا"، وهو منصة تشويش أخرى مصممة خصيصًا لكشف وتعطيل جميع إشارات أقمار ستارلينك وربما كانت إيران بمثابة حقل تجارب لأسلحة روسيا المضادة للأقمار الصناعية.
فمع اندلاع الاحتجاجات في إيران، استخدم النظام ما وُصِف بأنه "معدات إلكترونية عسكرية متطورة لتعطيل خدمات الإنترنت عبر أقمار ستارلينك خلال انقطاع الاتصالات الأسبوع الماضي"، وفقًا لما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز".
ومن المرجح أن طهران استخدمت مجموعة من تكتيكات تدمير الأقمار الصناعية المصممة خصيصًا لتحييد مزايا ستارلينك، ومن المرجح أيضًا أن هذه التكتيكات لم تكن من ابتكار الإيرانيين بل صممها خبراء الفضاء في بكين وموسكو، بحسب التقرير.
ووفقا لمجلة "ناشيونال إنترست"، فمن المرجح أن إيران استخدمت نموذجًا أوليًا لنظام "كالينكا" الروسي وهو ما يعني أن الروس باتوا على دراية بفعاليته ويعملون على دمجه ضمن تدابيرهم الدفاعية الأوسع نطاقًا، بهدف الحد من المزايا الهائلة التي يوفرها نظام ستارلينك ونظام ستارشيلد لاحقًا للولايات المتحدة وحلفائها.
ومن المؤكد أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية تبذل قصارى جهدها لمواجهة التحركات الإيرانية ضد ستارلينك لكنها لم تنجح حتى الآن.