جهاد محسن

الإرهاب العسكري وبدعم سعودي يتجدد في الجنوب اليمني

وكالة أنباء حضرموت

يشهد الجنوب اليمني تطورات واضطرابات ميدانية وأمنية تعيد إلى الأذهان مشاهد دموية سابقة من القمع والقتل الذي طال الجماهير الجنوبية خلال مراحل تاريخية مضت، حين جوبهت مطالب استعادة الدولة الجنوبية بالقوة المفرطة والرصاص الحي من قبل قوات النظام في الشمال، وما نجم عنها مقتل وإصابة الآلاف من الجنوبيين.
اليوم تتكرر الصورة في العاصمة عدن، ولكن بأدوات مختلفة وقوى تحمل مسميات جديدة، في مقدمتها قوات درع الوطن وقوات الطوارئ المدعومة سعودياً، التي بات حضورها الميداني محل رفض واسع في الشارع الجنوبي.
حين خرجت الجماهير الجنوبية في تظاهرات سلمية مطالبة بحقوق سياسية واضحة، في مقدمتها استعادة الدولة كاملة السيادة على حدود ما قبل عام 1990م، ورفض سياسة فرض الأمر الواقع التي تريد فرضه - الرياض - على الجنوبيين أنفسهم، غير أن تلك التظاهرات قوبلت بإجراءات أمنية مشددة، واستخدام القوة والسلاح لتفريق المتظاهرين، في مشهد أعاد للأذهان ممارسات سابقة أرتبطت بالقمع السياسي، وأثار تساؤلات عميقة حول طبيعة الدور الذي تؤديه القوات المدعومة من المملكة العربية السعودية داخل الأراضي الجنوبية.
ما جرى أمام قصر معاشيق الرئاسي في عدن في 19 فبراير 2026م لم يكن حدثاً معزولاً، بل يأتي ضمن سياق أوسع شهدته محافظات حضرموت وأبين والضالع وشبوة وردفان، حيث عبرت الحشود الشعبية عن رفضها للوصايا السياسية المفروضة من السعودية ومحاولتها استغلال موضوع (الخدمات والاستقرار) كغطاء لإعادة هندسة المشهد السياسي الجنوبي بما يتوافق مع رؤية الرياض، والتي أسفرت أفعال قواتها إلى سقوط مئات الضحايا الجنوبيين بين قتيل وجريح، الأمر الذي فاقم الاحتقان الشعبي وعمق فجوة الثقة بين الشارع الجنوبي والجهات الداعمة لتلك القوات.
وأمام السلوك العدائي لهذا القوات المدعومة سعودياً ضد الجنوبيين تبرز جملة من التساؤلات المشروعة: حول ما إذا كانت السعودية قد دخلت المشهد اليمني تحت عنوان استعادة الشرعية ومواجهة الحوثيين، فلماذا يتجه ثقلها العسكري والأمني نحو الجنوب الذي لم يكن مصدر تهديد لها؟، وما مبرر إنشاء وتوسيع تشكيلات عسكرية جديدة في الجنوب، في الوقت الذي لم يتحقق فيه أي تقدم حاسم في ملف صنعاء؟، ولماذا تتزامن التحركات الأمنية مع ضغوط سياسية وإعلامية تستهدف إعادة صياغة الخطاب الجنوبي، واحتواء الأصوات المطالبة بالاستقلال؟.
هل بات الجنوب ساحة لتعويض "الرياض" خسائر وإخفاقات الشمال، أم ورقة تفاوض في مسار تفاهمات إقليمية لا تعكس إرادة أبنائه؟.
إن مؤشرات عدة توحي بأن التواجد السعودي في الجنوب لم يعد ينظر إليه باعتباره دعماً مؤقتاً لاستقرار مرحلي، بل تحول وفق رؤية قطاع واسع من الجنوبيين إلى أداة تأثير مباشر في القرار السياسي والعسكري، مع نوايا السعي للسيطرة على المنافذ والثروات والمواقع الاستراتيجية، خصوصاً في المحافظات الشرقية الغنية بالموارد، وهي نوايا تعززها وقائع سابقة، باستهداف السعودية قوات جنوبية بضربات جوية كانت تقف في جغرافية أرضها، وقتل المئات من الجنود دون حق مشروع، بالإضافة إلى ملفات احتجاز وفود سياسية جنوبية مؤيدة للاستقلال، ومساعيها المفضوحة نحو إعادة تشكيل المشهد الإعلامي الجنوبي بما يخدم سردية محددة، وفرض توجهات تعسفية على إرادة الشعب الجنوبي.
إن أي دولة تدعي رعاية السلام لا يمكن أن تقنع شعباً بصدق نواياها في ظل استمرار قواتها المدعومة منها استخدام القوة ضد احتجاجاته السلمية المطالبة باستعادة دولته، فالقمع لا يصنع استقراراً، وشراء المواقف لا يبني شراكة، وفرض الوصاية لا يؤسس لعلاقة ندية بين الشعوب.
الجنوب اليوم يرفع صوته مجدداً، ليس بالسلاح، بل برايات سياسية سلمية واضحة، فيما تواجهه آلة أمنية ينظر إليها باعتبارها امتداداً لإرادة سعودية تسعى لإعادة رسم الخريطة بما يخدم مصالحها وتوجهاتها وأهدافها المبطنة.
إن مستقبل العلاقة بين الجنوب والمملكة العربية السعودية سيظل مرهوناً بمدى التزام الرياض بالمصداقية والشفافية واحترام إرادة أبناء الجنوب، ووقف أي ممارسات تفسر كإملاءات سياسية أو هيمنة عسكرية، فإما أن تكون شريكاً صادقاً يحترم تطلعات شعب، أو طرفاً يكرس حالة صراع مفتوح لن يخدم استقرار المنطقة بأسرها.
ويبقى السؤال الجوهري، هل تريد السعودية جنوباً حراً مستقلاً يحترم قراره السيادي، أم جنوباً تابعاً يدار بما يتوافق مع حسابات النفوذ والتعويضات السياسية والمادية التي منيت بها في جبهات الشمال، لتبدأ بفتح جبهات جنوبية جديدة ستكون لاشك أكثر ضرراً وخسارة على المملكة العربية السعودية نفسها.
الإجابة على هذا السؤال لن تحسم بتصريحات ووعود المسؤولين السعوديين، بل بالأفعال على الأرض.